خُلق الاعتدال في القرآن الكريم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرسول الأمين وعلى آله وصحبه الغر الميامين. أعزائي الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد, فضمن سلسلة 'القرآن علمني' كجزء من المواضيع المدرجة في قسم 'خواطر ايمانية' يسرني أن أسرد في هذه التدوينة مجموعة من المواضع القرآنية التي تدعوا إلى الاعتدال في الأمور المتعلقة بالدين والدنيا. فلقد اختار الله لأمة الإسلام منهجا تسير عليه وبيّن لها طريقها المستقيم الذي لا عوج فيه، لتنتهج الوسطية التي لا تؤخذ من آراء الناس وأهوائهم، بل من النصوص الشرعية التي تدعوا إلى الاعتدال وتحذر من التطرف والغلو والتنطع، ولذلك أحبتي الكرام أورد اليكم المواضع القرآنية التي حثت على الاعتدال مُلحقا بها التفسير الميسر للآيات الكريمة:

الموضع الأول: "وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً" الإسراء:29
تفسير الآية: ولا تمسك يدك عن الإنفاق في سبيل الخير، مضيِّقًا على نفسك وأهلك والمحتاجين، ولا تسرف في الإنفاق، فتعطي فوق طاقتك، فتقعد ملومًا يلومك الناس ويذمونك، نادمًا على تبذيرك وضياع مالك.

الموضع الثاني: "قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً" الإسراء:110
تفسير الآية: قل -أيها الرسول- لمشركي قومك الذين أنكروا عليك الدعاء بقولك: يا ألله يا رحمن، ادعوا الله، أو ادعوا الرحمن، فبأي أسمائه دعوتموه فإنكم تدعون ربًا واحدًا؛ لأن أسماءه كلها حسنى. ولا تجهر بالقراءة في صلاتك، فيسمعك المشركون، ولا تُسِرَّ بها فلا يسمعك أصحابك، وكن وسطًا بين الجهر والهمس.

الموضع الثالث: "وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً" الفرقان:67
تفسير الآية: والذين إذا أنفقوا من أموالهم لم يتجاوزوا الحد في العطاء، ولم يضيِّقوا في النفقة، وكان إنفاقهم وسطًا بين التبذير والتضييق.

الموضع الرابع: "وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ" لقمان:32
تفسير الآية: وإذا ركب المشركون السفن وعَلَتْهم الأمواج مِن حولهم كالسحب والجبال, أصابهم الخوف والذعر من الغرق ففزعوا إلى الله، وأخلصوا دعاءهم له، فلما نجاهم إلى البر فمنهم متوسط لم يقم بشكر الله على وجه الكمال, ومنهم كافر بنعمة الله جاحد لها, وما يكفر بآياتنا وحججنا الدالة على كمال قدرتنا ووحدانيتنا إلا كل غدَّار ناقض للعهد, جحود لنعم الله عليه.

الموضع الخامس: "ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ" فاطر:32
تفسير الآية: ثم أعطينا -بعد هلاك الأمم- القرآن مَن اخترناهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم: فمنهم ظالم لنفسه بفعل بعض المعاصي, ومنهم مقتصد, وهو المؤدي للواجبات المجتنب للمحرمات, ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله, أي مسارع مجتهد في الأعمال الصالحة, فَرْضِها ونفلها, ذلك الإعطاء للكتاب واصطفاء هذه الأمة هو الفضل الكبير.

كانت تلك بعض المواضع القرآنية التي حثت على الاعتدال في الأمور. وختاما أشير إلى أنه على المسلم أن ينتهج الوسطية والاعتدال في تصوراته ومناهجه ومواقفه، وأن يتحرى الصواب في التوجهات والاختيارات ليكون الاعتدال منهجا فكريا وموقفا أخلاقيا وسلوكيا "وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين"
 
هذا ما لدي وأشكركم على الزيارة الكريمة ودمتم سالمين.

0 حصيلة التعليقات والردود

شاركنا بتعليقك Post a comment