مشـّي حالك لتسير السفينة

طابت أوقاتكم أحبتي الكرام.
انقضى عام لنستقبل آخر يعلم الله وحده ما تـُـزجي أيامه. ودعنا ما ودعنا وفارقنا مَن فارقنا. جاء عامنا الجديد لأتساءل هل لا زلنا نعتنق مبدأ تمشية الحال لتسير السفينة حيث تُسيرها الرياح. ركاب تلك السفينة يهتفون "هيا يا سفينتنا سيري نحو بر الأمان فربابنتك وبحارتك مهَرة". حقاً هم مهرة! أولئك المرابطون عند قوارب النجاة، فإنْ سارت السفينة تفاخروا بقيادتها وإنْ شارفت على الغرق غادروها فالموج أقوى والرياح أعتى. غادروها ليهتف ركابها مثمنين تضحية أولئك الربابنة وبحارتهم الذين افتدوها بأنفسهم ليخف الحمل عن السفينة المنكوبة!
"مشّي حالك" .. فسفينتنا ستسوقها الرياح خلف ربابنتها الهاربين لنصل سوياً إلى شاطئ النجاة. أرخوا الأشرعة وجذفوا ودعوا الأمور تسير على عواهنا فلعل الرياح تساند الشراع والمجذاف يقوى على حمله الذراع. "مشّي حالك" .. فليس ذلك عليك بالجديد وقد اعتنقته سنيناً وانقضى عمرك وأنت تتخذه منهج حياة فلن يزعجك أن تواصل تمشية الحال وتدفع الثمن في ما هو آتٍ من عمرك إنْ أخفق ربابنة سفينتك.
سيتساءل البعض عن أي سفينة احكي ولمَ كل هذا الهذيان. تلك السفينة أحبتي كنتُ ولا زلتُ على متنها عايشتُ لحظات ابحارها وغنمت كما غنم غيري من صيدها وهتفتُ على ظهرها مع الهاتفين. وعندما عصفت الرياح وهاجت الأمواج وتمايلت سفينتنا، تلقيتُ وانا غافل ضربة على "نفوخي" أيقظت فيّ بعضاً مما ظننتموه هذيانا.
أكان هذياناً أنْ أرى أولئك الذين أوكلنا إليهم مهمة الإبحار يسلموننا الدفة لمقارعة العاصفة، فنحن كما يزعمون شركاء في المسؤولية؟ أم كان هذياناً أن أدرك بعد حين أنّ دورنا في تلك الشراكة أن ندفع ثمن الإخفاق وأما نصيبهم أن ترحل قوارب نجاتهم بجُل ما اصطادته سفينتنا؟ هذيانٌ أن أتخيل أنهم ربما يراقبون الوضع عن بُعد ليعودوا لنجدتنا إنْ هدأت العاصفة أو يأملون تجاوزنا لتلك المحنة - فنحن لها – ما دام عشقنا لتلك السفينة يدفعنا لإنقاذها مهما كلف الأمر.
لم يكن هذياني ذلك هذياناً ولم تكن هلوسةً أن أوقن بأنهم يستغلون ادماننا لذلك الأفيون - مشي حالك - في كل سانحة وبارحة مهما تعاظم الضرر وتفاقم الخطر. فإلى متى سيصدق فينا قول الشاعر: " مَن يهن يسهل الهوانُ عليهِ ::: ما لجرحٍ بميتٍ ايلامُ "

هناك 8 تعليقات

  1. جميل جدا
    لقد لخصت الواقع باسلوبك الخاص
    متميز دائما في مواضيعك

    ردحذف
    الردود
    1. لك الشكر الجزيل على المرور و التعليق

      حذف
  2. رائع جدا ايصال الرسائل باسلوب غير مباشر
    تقبل تحيتي

    ردحذف
    الردود
    1. لك التحية و التقدير على تفاعلك مع الموضوع و اشكرك على تعليقك الكريم

      حذف
  3. مشّي حالك... جميل جدا الاسلوب

    ردحذف
    الردود
    1. يسعدني ان تنال المواضيع المطروحة استحسانكم
      اشكرك على تعليقك الكريم

      حذف
  4. مقالة رائعة
    كلام بسيط ولغة سهلة جاذبةللقراءة وأساليب بلاغية أجمل

    ردحذف
    الردود
    1. تعليقك هو الأروع
      و كلماتك دافع إيجابي لي للاستمرارية و السعي نحو الأفضل
      دمت بخير

      حذف

شاركنا بتعليقك Post a comment