قصيدة رفقاً يا شتاء

تُعاتبنا عينا ذلك الطفل الذي باغتهُ الشتاء بقسوته لينزع عن جسده معطفاً رآهُ في حُلمه. أفاق ليجد نفسه مفترشاً سريراً أبيضاً ناعماً .. ويا له من سرير. فراشه الثلج وغطاؤه الزمهرير. ينادي بمليء صوته المبحوح أنْ يا شتاء رفقاً بجسدٍ ناحلٍ صغير، فأنا لم أجد الرأفة ممن ظننتُ فيهم الرأفة. لستُ بمعاتِبٍ يا شتاء فالموتى لا يعاتَبون .. وإنْ كان بهم رمق فلا حيلة لهم الا الصمت وإنْ نطقوا فما لهم إلا الشَجب ليصدق فيهم من قال "تمخض الجبل فولد فأرا". مع ذلك يا شتاء لا زلت ألتمس رحمة ربي فالراحمون كـُـثـُـرْ وإنْ عمّ الصمتُ وانتشرْ. أخاطبهم و أخاطبك يا شتاء بهذه الأبيات:

قصيدة رفقاً يا شتاء - بقلم أبو يُمنى الشماخي

جاء الشتاءُ وما للطفلِ وا آسفا
بعضُ الكِساءِ يواري هجمةَ الصِرَرِ
يا لفحة البردِ رفقًا وانزعي قرَسًا
كُفي أذاكِ .. دَنا الملفوحُ مِن غَرَرِ
كُفي أذاكِ .. فأذْنُ الناسِ موصدةٌ
واطوي نِداكِ فعُميٌ أعينُ البشرِ
ما عاد ينفعهم يا بردُ موعظة ٌ
منكَ استعاذوا ومِن نجواكَ بالدُثُرِ
**********
غطوا وجوهاً لكي لا يستجيرَ بهم
طِفلٌ كساهُ بياضُ الثلجِ للغُرَرِ
غطوا وجوهاً وناموا في بُلهنيةٍ
مَن ذا يفارقُ دِفءَ الصوفِ والسُرُرِ
لما استفاقوا .. أفاقوا من ضلالتهم؟
كلا لعمرك ما فاقوا من السَكَرِ
حيناً تباكوا وشَجبٌ جُلُ ما ملكوا
هل تملكُ الخودُ غيرَ النوحِ في القُصُرِ
**********
يا معشر العُربِ هل قَضّت مضاجعكم
حربٌ وجوعٌ .. وطفلٌ صاحَ مِن ضَرَرِ
تبكون حقاً؟ وحقٌ فاتَ موعدكم
فاتَ الأوانُ لنوحِ العاجزِ الأشِرِ
هل سُيِرَ الغوثُ مِن تِلقاءِ محفلكم
أم سَيّرَ العُربُ ذاتَ اللوحِ والدُسُرِ
يا للرجالِ وأدتم نارَ نخوتِكم
عند الرخاءِ أمتّم سيرةَ العُمَرِ
**********
حيثُ انتشرتم نشرتم سُوءَ سَوءتِكم
يا سُوءَ سَوءةِ سُوءِ الخانعِ البطِرِ
قـُلتم هرمنا وأثنى الغربُ شوكتنا
هلّا خرِستم .. فما ذاكم بمعتذَرِ
قد قيضَ اللهُ للمغلوبِ غيرَكمُ
مَن تنعتوهُ بكفرٍ يا أُولي النظرِ
الدينُ قولٌ وفعلٌ كان قبلهما
ما كان يوقَرُ في الألبابِ والصُدُرِ
**********
يا طفلُ عفوَكَ ما حركتَ ساكنَهم
هل ثَـمّ تسكنُ روحٌ أغلظَ الحجرِ
لا تيأسنّ صغيري والتمس أملاً
فاللهُ أرحمُ بالمحتاجِ مِن بَشرِ
ربُ الوجودِ تعالى اصطفى بشراً
أهلَ العفافِ كراماً صالِحي الأثرِ
جاء الشتاءُ فنالوا الأجرَ إذ بذلوا
بعضَ العطاءِ يواري هجمةَ الصِرَرِ
أبو يُمنى الشماخي - شتاء 2015

هناك 4 تعليقات

  1. قصيدة جميلة و ابيات معبرة عن واقع اللاجئين واسلوب جميل في الكتابة

    ردحذف
    الردود
    1. أشكرك عزيزي على الزيارة و التعليق ويسعدني استحسانك للقصيدة .. دمت بخير

      حذف
  2. ما شاء الله قصيدة جميلة ومعبرة

    ردحذف
    الردود
    1. أتمنى دائما أن تنال تدويناتي اعجابكم والتي اسعى أن تكون مواكبة للاحداث ومعبرة عنها

      حذف

شاركنا بتعليقك Post a comment