خسروا أنفسهم و أهليهم

بسم الله .. و الصلاة و السلام على رسول الله .. سأروي لكم اليوم أحبتي الكرام حكايةً التقطُها لأخلط وقائعها بشيءٍ من نسيج الخيال .. حكايةُ آدميين .. أعمى المال قلوبهم ليخسروا خسارةً ما بعدها خسارة .. فلنبدأ حكايتنا ..

اجتمع الأبناء حول أبيهم المحتضر .. بكى أصغرهم رحيلَه قبل رحيلِه .. و طال الأمد على كبيرهم فاستعجل الرحيلَ ليستولي على الجَمل بما حمل و أما أوسطهم فاكتفى بالفُرجة ليرى ما تُخبئ الأيام.
نطق الأب المحتضر: أبنائي .. تعلمون أنني أفنيتُ عمري و أبليتُ عافيتي لتنعموا بعيشكم حتى لا تطمع أعينكم بما أعطي غيركم .. و زرعتُ فيكم الرضا باليسير حتى لا يغركم الكثير .. و أسأل الله أن ألقاه وهو راضٍ عني و أن أرحل و أنتم يدًا بيد على قلب رجل واحد .. و إني تركتُ بينكم أخاكم الأكبر يصون مصالحكم و يرعى ما سأتركه لكم من مالٍ بعد رحيلي.
قال أكبرهم: و هل تركتَ لنا شيئًا من المال يا أبي؟
قال الأب: أجل يا أبنائي تركتُ لكم الكثيرَ.
قال أصغرهم: لا ترهق نفسك بالحديث يا أبتِ .. أظن أنه من الأفضل أن ندعك لتستريح قليلاً.
قال أوسطهم: أووه لا تقاطع أباك دعه يكمل.
قال أكبرهم: صهٍ صه اصمتوا جميعاً فأبوكم يتحدث عن أمر عظيم.
قال أصغرهم: ليس المال أهم من صحتك يا أبتِ .. و أنا أرى أن تتحدث عن ذلك لاحقاً.
قال أكبرهم: لماذا لا تصمت مثل أخيك و تدع أباك يكمل حديثه.

و هنا همس الأوسط في أذن أكبرهم قائلاً: أنا اعلم ما تضمر في نفسك .. أنت تخشى أن يرحل أبوك قبل أن يخبرنا عن ذلك المال المزعوم.
قال الأب: يا أبنائي اتركوا عنكم الجدال و دعوني أكمل.
نطقوا جميعاً: تفضل يا أبي .. نحن آسفون.
قال الأب: أحبتي .. لقد تركتُ لكم جرةً مليئةً بالنقود و.......
فشهق أكبرهم قائلاً: جرةً من المال؟!!
و أضمر أوسطهم في نفسه: "لقد بلغ أبونا من الكبر عتيا .. و بدأ يصور له خرفه أنه يمتلك مالاً". ثم قال ساخراً: و أين تلك الجرة يا أبي؟

أحس الأب بسخرية الابن الأوسط ثم قال: حسناً أخرجوا و ذروني و أخاكم الأكبر فيبدو أن أحدكم لا يصدقُ كلامي و الآخر لا يهمهُ المال بشيء.
خرج الاثنان من الغرفة و الأوسط يقلب يديه على ما آل إليه عقل أبيه.
قال الأب: اسمع يا بني أنت تعلم أن أخاك الأصغر بلغ من الطيبة مبلغ السذاجة و أما الآخر فكما ترى هو لا يحمل الأمور محمل الجد فأخشى أن يضيعا المال بذلك .. و أما أنت فأنا أعلم أنك تقدر قيمة المال و أنت الأجدر على صون ما سأتركه لك و لأخوتك.
قال الابن الأكبر: حسناً يا أبي سأكون عند حُسن ظنك بي .. و لكن .. أخبرني أين ذلك المال؟
قال الأب: حسناً يا بني .. سأخبرك بحضور أخويك فادعوهما للدخول.

دخل الأخوان إلى الغرفة و قال الأب: سأخبركم عن مكان المال .. لقد وضعتُ المال في جرة و....
قاطعه أوسطهم قائلاً: لقد عاد أبي لضلاله القديم.
قال أصغرهم: أتمنى يا أخي أن تُبدي شيئًا من الاحترام لأبيك.
صاح الأب صيحةً أثقلت أنفاسه: ها أنتم هؤلاء تتجادلون مجدداً .. لن أطيل عليكم لقد وضعتُ جرة المال في صندوقٍ و وضعتُ الصندوق في خزانة أمكم رحمها الله .. و لكن لا تفتحوا الصندوق إلا بعد وفاتي .. و الآن أرجوكم أخرجوا جميعاً و دعوني لأرتاح قليلاً .. دعوني .. دعوني.

خرج الثلاثة و الأوسط تعلو محياه سخرية المكذب و الأصغر يلوم نفسه و أخويه على إغضاب و الدهم و الأكبر و آهٍ ثم آهٍ من الأكبر لعله يضمر في نفسه شيئاً لا يعلمه ابنَي رحم أمه.


و مرت سويعات و جاء المساء ليخاطب الابن الأكبر نفسه: ربما يكون ذلك خرفٌ خالط عقل أبي كما يظن أخي .. و لكن .. ربما يكون أبي على حق .. و إن كان كذلك سيقاسمني أولئك الأحمقان المال.
حمل نفسه خلسة ليجد الصندوق في خزانة أمه .. و لمعت عيناه و هو يرى تلك الجرة المليئة بالمال لتحملها يداه المرتعشتان مغلقاً باب غرفته عليه ليوسوس له شيطانه أن يخفي المال عن أخوته و لكن أين؟

و جاء الصباح و غادر الأخ الأكبر البيت متجهاً إلى سوق المدينة المجاورة و تحديداً إلى أشهر تجارها .. أضمر في نفسه أن يجعل المال أمانةً عند ذلك التاجر يستعيده بعد رحيل والده.
سلم على التاجر وجلس إلى جانبه و قال: لقد أحضرتُ بعض المال ليكون أمانة عندك آخذه بعد فترة من الزمن.
قال التاجر و قد ظهرت عليه علامات الوقار: حسناً يا بني .. إذن فلنكتب بيننا صكاً بذلك.
قال الشاب: لا يا سيدي لا داعي لذلك فأنا أرى فيك التاجر الأمين و الشيخ الوقور.
قال التاجر: إذن فلنجعل بيننا شهوداً.
قال الشاب: لا داعي لهذا و لا إلى ذاك .. فانا لا أريد أن يعلم أحدٌ باتفاقنا هذا.
قال التاجر: حسنًا .. حسناً .. لك ما تريد!!

عاد الشاب ليجد أخويه و جيرانه بانتظاره فصاح: ماذا حدث؟
قال أخوه الأصغر: لقد توفي والدك .. لقد رحل أبي.
قال الأوسط: أين كنت؟ نحن ننتظرك منذ ساعات.
قال: كنتُ في سوق المدينة .. كانت لي مصلحةُ هناك .. و لكن دعك من السؤال و هيا نعجل دفن أبينا.

و انقضت أيام العزاء و اجتمع الأخوة و قال الأخ الأكبر: هيا يا أخوَي لننفذ وصيةَ أبي.
قال أصغرهم: أي وصية؟
قال أكبرهم: هل نسيتم أمر الجرة و الصندوق.
ضحك أوسطهم: آأه الصندوق و جرة المال .. و هل تصدقون ذلك!!
قال أصغرهم: ألا زلت تكذّب أبي و تسخر منه حتى بعد رحيله .. هيا بنا لنُكذّبَ ظنك.
انطلق الثلاثة ليجدوا الجرةً الفارغة.
قال أوسطهم: ألم أقل لكم إن عقل أبي خالطه الخرَف فنسج له خياله جرة مليئة بالمال .. هيا بنا و لا تضيعا الوقت في أحلام و قصورٍ من رمال.
قال أكبرهم: يال الخسارة كم تمنيتُ أن تصدق أحلامنا لننعم بمالٍ يريحنا من مشقة طلب العيش .. سامحك الله يا أبي .. سامحك الله.
قال أصغرهم: ما أسفي على أحلام تبددت و لكن على رحيل والدي .. رحمك الله يا أبي .. رحمك الله.

و مضت الأيام و انقضت ستة أشهر نسي خلالها الأخوة حكاية الجرة المزعومة .. و انطلق الأخ الأكبر إلى المدينة حتى وصل إلى التاجر و قال له: السلام عليكم يا عماه.
قال التاجر: و عليكم السلام و رحمة الله.
قال الشاب: أتذكرني يا عم.
قال التاجر: لا يا بني .. من أنت؟
قال: أنا الشاب الذي قدِمتُ إليك و وضعت عندك شيئاً من المال.
قال التاجر: أي شاب؟ .. و أي مالٍ تتحدث عنه؟
قال الشاب: لقد كان ذلك قبل ستة أشهر.
قال التاجر: قبل ستة أشهر؟ .. هل لديك صك يثبتُ ذلك؟
قال الشاب: كلا يا عم.
قال التاجر: هل لديك شهود.
قال الشاب: و لا شهود .. و يبدو لي أنك تريد أن تنكر المال و ما دار بيننا من اتفاق.
قال التاجر: ارحل من هنا أيها الشاب فانا لا أعرفك و لا أعلم عن أي اتفاق تتحدث.
قال الشاب: أتنكر اتفاقنا؟ سأشكوك إلى قاضي المدينة.

ذهب الشاب إلى قاضي المدينة فأمر بإحضار التاجر على الفور.
قال القاضي: إن هذا الشاب يقول أنه وضع عندك أمانةً و أنك تنكر ذلك .. ما قولك؟
قال التاجر: أنا لم ألتقِ بهذا الشاب من قبل.
قال القاضي: لقد أنكر التاجر دعواك .. فلذلك نلزمك بالبينة .. أحضر صك الأمانة و الشهود.
قال الشاب: ليس لدي صكٌ و لا شهود .. و لكن أنا أصر على أنه خان الأمانة يا سيدي.
قال القاضي: لم تلتزم بالبينة و أنت تصر على دعواك .. إذن لم يبقَ لدينا إلا أن نلزم التاجر باليمين .. أيها الرجل هل تقسم أنك لم تأخذ من هذا الشاب ما يزعم من مال.
و هنا تجرأ التاجر على ربه ليقسم أنه لم يأخذ شيئاً من ذلك الشاب.
صاح الشاب: لقد ضاع مالي .. أكله هذا الكذاب الأشِر.
قال القاضي: هيا أيها الفتى انصرف قبل أن آمر بحبسك و أنت أيها التاجر إن كنت أقسمت كذباً فاعلم أن عاقبتك عظيمة .. هيا انصرفا و ليحاسب كلٌ منكما نفسه.

خرج الشاب و هو يصيح: لقد سرقتَ مالي أيها الكاذب .. حسبي الله و نعم الوكيل .. حسبي الله و نعم الوكيل .. و لكن أنا أستحق ذلك فلقد خنتُ الأمانة قبل أن تخونها أنت .. خنتُ أخوتي و خنتُ عهد أبي فليسامحني الله.
و هكذا أحبتي كانت تلك نهاية حكايتنا شاب أضاع المال بطمعه و لازلنا في انتظار نهاية عادلة لذلك التاجر الخائن الكذاب .. و دمتم سالمين.

شخصيات الحكاية:
الأب: دهرُ أمجادٍ مضى.
المال: أمجاد الأمة الضائعة.
الابن الأكبر: رجالٌ باعوا أمجاد أمتنا لأعداء أمتنا.
الابن الأوسط: ساخرٌ من أمجاد أمته مزهوٌ بنفسه و هو مجوفٌ نخبٌ هواء.
الابن الأصغر: يعيش في الأحلام و يتغنى بالماضي و يجهل من أين تؤكل الكتف.
التاجر: لا زال يلتهم ما تقع عليه عينه و ربما تعلمون من يكون بانتظار عقابٍ عادل.
القاضي: بشرٌ يحكمون بالظاهر و لا يُلامون على ذلك.
و نحن من نكون من بين أولئك؟ أم نحن صنفٌ آخر؟

هناك 18 تعليقًا

  1. السلام عليكم،
    كم هي شيقة ومفيدة هذه القصة، جزاك الله خيرا...في انتظار جديد إبداعاتك !

    ردحذف
  2. قصة رائعة وكلام رائع شكرا لك وبارك الله فيك اتمنى لك مزيد من النجاح ...

    ردحذف
  3. الأخ العزيز علاء الدين ..
    عليكم السلام و رحمة الله
    أشكرك أخي على الزيارة و التعليق و جزاك الله خير الجزاء في الدنيا و الآخرة :)

    ردحذف
  4. الزائر الكريم من موقع (الشبكة العربية) ..
    أتشرف بزيارتك و أشكرك أخي على التعليق الرائع و أتمنى لك دوام التقدم و النجاح

    ردحذف
  5. كل الشكر
    مدونة رائعة وقصة تفيض بالمواعظ والحكم .

    دام العطاء

    ردحذف
  6. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    ما أعمقها من قصة مشوقة وذات بعد إنساني عميق عندما تتصارع فيه الأنفس

    ردحذف
  7. الأخت نور ..
    العفو .. و الشكر الجزيل لكِ على الزيارة الكريمة

    ردحذف
  8. الأخت الفاضلة كريمة سندي ..
    عليكم السلام و رحمة الله و بركاته
    أغلب أحداث القصة وقعت بالفعل مع بعض الاضافات و اللمسات الشخصية
    أشكركِ على الزيارة الكريمة

    ردحذف
  9. أصناف عديدة من البشر تكتظ بها أمتنا بين أخيار وأشرار
    حبكة رائعة لقصة هي الواقع نفسه

    دام لك الإبداع

    ردحذف
  10. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اخي ابو يمني
    مدونة جميلة بصدق ... تستحق ان اضعهــا ضمن المتابعه بمدونتي
    اتمنى لكـ التقدم والرقي
    تقبل طلتي

    ردحذف
  11. السلام عليكم ابو يمنى
    القصه بدت لي وكأنها عاديه في بادئ الأمر ولكن عندما قرأت تصنيفك للشخصيات وجدتها جدا متطابقه مع مانعيش من زمن
    أحييك على أفكارك وأنتظر المزيد

    ردحذف
  12. الأخت الفاضلة آمال الصالحي ..
    أشكركِ على زيارتك الكريمة و تعليقك الرائع
    دمتِ بخير و هناء :)

    ردحذف
  13. الأخ العزيز عبدالله (أوتار عذبة) ..
    عليكم السلام و رحمة الله و بركاته
    لي عظيم الشرف بزيارتك و متابعتك و أتمنى لك دوام الصحة و العافية
    طل الخير بطلتك :)

    ردحذف
  14. الأخ الفاضل مشرف مدونة منوعات ..
    جزء كبير من الحكاية وقع بالفعل قبل سنوات مع بعض الاضافات في الأحداث و الشخصيات و لكن رأيتُ أنها قد تعكس واقعاً نعيشه بالفعل فكان ذلك التصنيف في نهاية الحكاية
    أشكرك على زيارتك و تعليقك :)

    ردحذف
  15. بسم الله وبعد
    بوركت أخانا في الله على هذه القصة الرائعة التي من خلالها يتعرف القارئ على هذا الزمان الذي نعيشه وقد سلبت خيرات هذه الامة من قبل أعدائها وبمساعدة أبناء جلدتنا في عالمنا العربي والاسلامي مما جعلوها في الحضيد
    ولكن هناك تكملة لهذه القصة وهي أنه سيأتي اليوم الذي تكون فيه هذه الامة على رأس الأمم وها هي بدأت تزيل معالم الخنوع والعار وتتجه نحو العزة والكرامة
    تحياتنا واحترامنا وتقديرنا لك
    إخوانك في الله
    أبو مجاهد الرنتيسي
    أحلام الرنتيسي

    ردحذف
  16. الأخوان العزيزان أبو مجاهد الرنتيسي ● أحلام الرنتيسي ..

    أجل لن تعود للأمة كرامتها إلا إذا هجر أبناؤها الخنوع و توجهوا نحو العزة لتكون أمتنا على رأس الأمم

    أشكر لكما زيارتكما الكريمة و تعليقكما الرائع

    ردحذف
  17. السلام عليكم
    قصة رائعة وشيقة ومفيدة
    تحمل من العبر الكثير
    ومن تعاليم الدين اكثر

    اسأل الله تعالى ان يجعلنا من البارين بوالديهم
    والحافظين للامانة

    جزاك الله خيرا اخى وبارك فيك

    وكل عام وانت بخير وسعادة بمناسبة شهر رمضان المعظم

    تحياتى وتقديرى لك

    ردحذف
  18. الأخت الفاضلة (أم هريرة.. lolocat) ..
    عليكم السلام و رحمة الله و بركاته
    جزاكِ الله خيراً و أعاد الله عليك رمضان أعواماً و أعواما و أنت ترفلين بلباس الصحة و العافية و العمر المبارك
    لكِ كل التحية و التقدير

    ردحذف

شاركنا بتعليقك Post a comment