حكاية الكلب و الجدي و النعجة

عزيزي القارئ...
تخيل نفسك تقود سيارتك في إحدى البلدات قبل الغروب, و الشمس تداعب الأفق. و فجأة و بدون سابق إنذار يفاجئك نباح كلب تنحرف عنه فزعاً و هو يصر على اللحاق بك. و هنا نتساءل كم منا مر بهذا الموقف...
الموقف الثاني و أنت تقود سيارتك يرمقك جديٌ بنظراتٍ حذرة ...و فجأةً... يهرب منك كهروب مدين من دائن!!!
و في الموقف الثالث و أنت تقود سيارتك تمر أمامك نعجةٌ من النعاج.. تتمايل و تتمختر ضاربة بنداءاتك و أبواقك عرض الحائط .

تذكروا تلك المواقف لأننا عند نهاية القصة سنعرف المبرر للحاق كل كلبِ بكل مركبة تمر قربه. و هروب كل جديِ إن لمح مركبةً قادمة. و برودة أعصاب (الليدي) نعجة لو استنفرها سائق.
و هنا تبدأ القصة....
كان يا ما كان قبل عقدين من الزمان. عاش حمارٌ في بلدةِ هانئة هادئة. يحفه أبناؤه و زوجته و يحيط به أصدقاؤه. و كان أقرب المقربين إليه ثلاثة ... (نعجةٌ و جديٌ و كلب)... لطالما تميزت النعجة بالتواضع و دماثة الأخلاق. و أما الجدي فكان صاحب نكتة يصوغ المقالب و تنطلي حيله على كل صغير و كبير. و كان لخفة ظله يألفه كل من عرفه. و أما الكلب فكان متقلب المزاج, سريع الغضب لا يسكت عن حقِ له أبدا.

مرت الأيام و أهل البلدة يعيشون في خيرِ و هناء... و في أحد الأيام خرج الحمار لقضاء بعض حوائجه في سوق البلدة. سار على طريق لا يسلكها إلا بنو البشر بمركباتهم و كم حذرته زوجه الرءوم أن يخطو و لو خطوة واحدة على تلك الطريق. حمله التعجل أن يسلكها و يا لها من ندامة بعد عَجلة...

ما هي إلا لحظات و إذا بمركبة تمخر عباب الرمال يقودها مستهترٌ من بني البشر إستهوته السرعة و الخيلاء بما امتلك من مهارة في القيادة أو ظنها مهارة كما ظن غيره من قبل و من بعد... لم يدرك ذلك المفتون بسرعته ما ينتظره أو أنه وقر في نفسه أن غيره سيكون المخطئ إن وقع ما لا تحمد عقباه.

فجأةً و بدون سابق إنذار... انقضّت تلك المركبة على الحمار... غير أنه استطاع و بأعجوبة أن يبعد جزءً من جسده عن ذلك المارد و لكن كان لساقه نصيب من ذلك الارتطام المحتوم.

توقف ذلك الآدمي بعد سماع صوت الارتطام ليتأكد من سلامة مركبته و عندما أدرك أن ضحيته أقل منه شأناً انطلق بمركبته و هو يكيل الشتائم للحيوان المسكين, و لم لا و قد تسبب في خدش تحفته النفيسة.

وقع الحمار على الأرض و هو يتلوى من الألم و علا صراخه فأدركه من سمعه من أهله و صحبه. حمله أحبابه و أصحابه على الأكتاف ليبعدوه عن الطريق منتظرين من يحمله إلى المستشفى.

و بعد طول انتظار لانَ قلبُ أحد العابرين بمركباتهم و حملته النخوة و الشهامة أن ينقذ ذلك المسكين ناقلاً إياه و أهله إلى المستشفى وسط ذهول الجميع مدركين بعد حين أن بني البشر ليسوا سواء!!!

انتشر الخبر في البلدة الصغيرة و وصل إلى الكلب الذي بدوره بحث عن الجدي ليخبره. و انطلق الاثنان ليخبرا النعجة. اجتمع الثلاثة و قرروا عيادة صاحبهم المصاب و لكن واجهتهم معضلة الوصول إليه, إذ لا يقوون على قطع المسافة راجلين. أشار عليهم الجدي أن يستعينوا بأحد أصحاب المركبات لإيصالهم. فأجاب الكلب أن كثيراً من بني البشر لا يفعلون خيراً دون مقابل. و هنا قالت النعجة "أظن أنه لا ضير في المحاولة ربما نجد من يحملنا"...

انطلق الثلاثة حاملين معهم باقة من البرسيم كعربون محبة لصاحبهم و وقفوا على جانب الطريق منتظرين من يقلهم.

لحظات و لاحت في الأفق مركبة أجرة (تاكسي). و أصابتهم الدهشة لوقوف احد الآدميين مبادراً إياهم بالسؤال عن وجهتهم و لسان حالهم يقول "صدق ظن النعجة". أخبروه بمبتغاهم فأعلمهم أنه سيوصلهم ثم يعيدهم على أن يدفع كل واحدٍ منهم نصف ريال عند العودة. و هنا نظر الجدي إلى النعجة ثم نظرا إلى الكلب و قد أسرّوا في أنفسهم "بل صدق ظن الكلب".
وافق الثلاثة على مضض فانطلقوا إلى المستشفى. و عند الوصول أخبرهم السائق بأنه سينتظرهم في الخارج. دخل الثلاثة إلى المستشفى باحثين عن صاحبهم فأخبرتهم إحدى الممرضات بمكانه فإذا به في غرفة مكتظة بالمرضى و المصابين ممن يئن و يصيح. رأوه قابعاً على سرير متهالك عند زاوية الغرفة. شقّوا الصفوف ليصلوا إليه و يطمئنوا على حاله و دار بينهم حديثٌ وديٌ مطولٌ... و السائق ينتظر بالخارج....

مرت دقائقُ و دقائق و انقضت ساعةٌ من الزمن قبل أن يدرك الكلب أن السائق ينتظرهم بالخارج. انتبه الكلب فأعلم صاحبيه باقتراب موعد الانصراف فطلب الثلاثة الإذن بالمغادرة متمنين الشفاء العاجل لصاحبهم و غادروا الغرفة...

خرج الثلاثة من المستشفى و إذا بالسائق يزفر و يزمجر راسماً بين حاجبيه خطين عموديين متوازيين!!! فسارعت النعجة إلى تلطيف الموقف معتذرة بالنيابة عن رفيقيها مطمئنة إياه أنه سينال أجرته عند عودتهم إلى البلدة.

هدّأ السائق من غضبه لما رأى من حسن أخلاق النعجة و كذلك ظنت هي فيه الخير لانطفاء نار غضبه. و انطلق السائق مقلاً الثلاثة إلى بلدتهم. و عندما وصلت المركبة إلى مشارف البلدة أشارت النعجة بأنها ستكون أول المترجلين.


أوقف السائق المركبة على جانب الطريق فأعطته النعجة أجرته (أي نصف ريال) و انتظرها حتى تعبر الطريق بسلام إلى وجهتها فوقع في بالها أن معظم أصحاب المركبات يعاملون النعاج هكذا. و لكن سرعان ما خالجها الشك أن تصرفه هذا لم يكن إلا لأنها دفعت ما عليها من أجرة.

و هنا عاهدت النعجة نفسها أن تُعلم بني جلدتها من النعاج أنه لا خوف من المركبات و لا ضير من عبور الطريق أنى شئن فالسائقون من الآدميين سيبجلون كل نعجة لأن واحدة منهن دفعت ما عليها من أجرة.

أكمل السائق طريقه و مضى ليوصل الكلب و الجدي. و أثناء سير المركبة أخذ الجدي يفكر في حيلة كي لا يدفع نصف الريال لصاحب المركبة. ربما أراد الجدي أن يضيف نادرة إلى نوادره أو أنه أراد أن يلقن بني البشر درساً لأن أحدهم أصاب صاحبه بمكروه.

طلب الجدي من السائق أن يوقف المركبة لينزل. نزل الجدي من المركبة و مد السائق يديه ليأخذ الأجرة و لكن الجدي غافله و انطلق مسرعا بالجري إلى أقرب تل مرتفع مدركاً أن السائق لن يستطيع اللحاق به إلى الأعلى.

خرج السائق من مركبته و هو يصيح على الجدي قائلاً "إن لم تعد و تؤدي ما عليك سأنتقم منك و من أمثالك عاجلاً أم آجلاً".

واصل الجدي هروبه و هو يقهقه حتى اختفى عن الأنظار و لكنه تذكر وعيد الآدمي بالانتقام فعاهد نفسه ألا يقترب من مركبة أبدا حتى لا يراه ذلك الآدمي مرة أخرى أو أن يوصي غيره من سائقي المركبات بالانتقام لأخذ الأجرة منه عنوة.

بقي الكلب في المركبة و لكنه كان خجلاً من تصرف الجدي. و قال للسائق: "لا تظن أني مثل ذلك الجدي فأنا سأدفع ما عليّ من أجرة". لم يجبه السائق و لكنه أضمر في نفسه بأن يأخذ الأجرة مضاعفة من الكلب إن حالفه الحظ.

و كانت الفرصة مواتية و حالف الحظ ذلك السائق. إذ لمح في جيب الكلب ورقة نقدية واحدة و هي ريال واحد لا غير. عاجَلَ السائقُ الكلبَ للنزول من المركبة ... فنزل الكلب و أخرج الريال ليعطيه للسائق الذي قال "انتظر قليلاً حتى أعيد لك نصف ريال". و لكن السائق غَافَلَ الكلب و انطلق مسرعاً بمركبته و الكلب يلاحقه و لكن هيهات أن يدركه.


يئس الكلب من اللحاق بالسائق و لكن أقسم بأن يترصد له و لغيره من بني البشر من سائقي المركبات و بأن يشن هجوماً مفاجئاً إن لمح مركبة قادمة و توعد بأن يوصي أولاده و أحفاده بأن يأخذوا حقه إن لم يقدّر له ذلك.

و مضت الأيام و الأعوام لتنتهي حكايتنا وصولاً لزماننا هذا, لنتذكر تلك المواقف الثلاثة التي ذكرتها في البداية لنعرف أن حكاية السائق مع تلك الحيوانات هي المبرر للحاق كل كلبِ بكل مركبة تمر قربه. و هروب كل جديِ إن لمح مركبةً قادمة. و برودة أعصاب (الليدي) نعجة لو استنفرها سائق.

فالكلب في حكايتنا أوصى أولاده و أحفاده أن يحاولوا استرجاع (نصف الريال) من سائقي المركبات فلذلك سيظلون يلاحقون السيارات إلى ما لا نهاية. و أما أحفاد الجدي فيخشون أن ينتقم أصحاب المركبات من كل جدي لاسترجاع (نصف الريال) فلذلك هم في نفور دائم. و أما النعاج فقد دفعت جدتهن النعجة ما عليها من أجرة فلن يطالهن أذىً من سائقي المركبات أبدا.

و تمت الحكاية بحمد الله ... و دمتم سالمين

هناك 14 تعليقًا

  1. الأفاضل زوّار مدونتي الكرام ... أحييكم بأرق تحية
    للعلم لقد قمتُ بنشر هذا القصة قبل سنة تقريباً أي في بداية انطلاق المدونة و رغبةً مني في أن تنال حقها من القراءة ظننتُ من الأفضل إعادة نشرها فأرجو أن تعذروني في ذلك ...
    و دمتم سالمين

    ردحذف
  2. قصه جميله شكرا لك

    ردحذف
  3. شكراً للزائر الكريم على مرورك و تعليقك و أتمنى أن تنال المدونة و مواضيعها رضاك

    ردحذف
  4. السلام عليكم...
    أخي أبو يمنى
    تحية طيبة...
    مدونة رائعة, سأكون من متابعيها راجيا من الله أن أفيد وأستفيد.
    لقد فسرت لنا سر تعامل تلك الحيوانات الثلاثة مع المركبات .
    ملاحظة: لقد سببت الكلاب في عدد لابأس من الحوادث , عندما تهجم فجأة على المركبات , فيفقد السائق السيطرة لثواني على سيارته مما يؤدي الى وقوع الحادث.
    والى اللقاء....

    ردحذف
  5. و عليكم السلام أخي abdullatif سُررت بزيارتك و شكراً على المتابعة و مرحباً بك ضيفاً عزيزاً و أخاً كريماً
    أخوك أبو يمنى

    ردحذف
  6. عندما نغرق في اللا إنسانية تكون هكذا النتيجة .. تحية جميلة لقصة أجمل.

    ردحذف
  7. (دندنة قيثارة الوجد) تعليقك هو الأجمل ... شكراً على مرورك على الموضوع

    ردحذف
  8. بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله
    أخي أبا يمنى .. موضوعك جميل جدا .. أعانك الله على الخير وفعله ، ليس المهم اعادة نشر الموضوع وإنما المهم أننا نحبك في الله
    أخوك في الله \ أبو مجاهد الرنتيسي
    www.alrantisi.net.tc

    ردحذف
  9. أخي العزيز أبو مجاهد الرنتيسي أحبك الذي أحببتني فيه و بارك الله فيك و أدام عليك نعمة الصحة و العافية و بارك الله في عمرك و أعمار كل من تحب
    أخوك في الله .. أبو يمنى

    ردحذف
  10. صباح الخير
    قصة رائة مزجت بين اسطرها مجموعة من العبر
    ننتظر المزيد
    استمر فأنا هنا دائما

    ملكة سبـــأ

    ردحذف
  11. مرحباً بكِ دائماً (ملكة سبأ) أنا مستمرٌ باستمرار تواصلكم الكريم معي ... شكراً على تواجدك

    ردحذف
  12. الأخوة الزوار الكرام تشرفت بتعليقاتكم التي تساهم في اثراء مدونتي و اظهارها لمتابعين جدد فلكم كل الشكر

    ردحذف
  13. قصه معبره

    و خيال خصب

    بورك في فكرك

    ردحذف
  14. (حنــ الروح ـــايا) شكرا لك على الزيارة الكريمة و بارك الله فيك و سدد على طريق الخير خطاك

    ردحذف

شاركنا بتعليقك Post a comment