حوار بين القمر و نجمة

جاء المساءُ مصطحباً ليلتَهُ المقمرة ... و اختفت النجومُ حياءً عندما أطل البدرُ مزهواً بنوره ... ذلك النورُ الذي طغى على ضيائهن ... فآثرت أن تعتكفَ بعيداً عن عيونِ الناظرين مترقبةً رحيلَهُ علّها تعودُ لتتناثر متلألئةً على صفحةِ السماء ... قاطعها القمرُ بقوله: إنها ليلتي فارحَلْنّ فهناك من ينتظرني ليبوح لي بأسراره.
اقتربت منه نجمةٌ على استحياء لتسترقَ السمع بما يبوحُ به الليليون ...
فاجأها القمرُ بسؤاله: ما بالُك يا نجمة تقفين خلف كتفي؟ ... اقتربي و لا تختبئي حياءً فأنا أعلم بوجودك و أعرف أنكِ تفعلين هذا مراراً و تكراراً منذ سنين ...
قالت النجمة: كنتُ تعلم دون أن تلتفت إليّ! , أولم يضايقك فعلي هذا ...
رد عليها القمر: لا ضير في ذلك يا عزيزتي فالسماء الواسعة وطنُنا ... و أنا أعلم أن هناك أيضاً من يناجيك و أخواتكِ في الليالي الظلماء عندما أكون من الآفلين ... أعلمُ أن ليليين آخرين يبوحون لكُنّ بالأسرار كما يبوحون لي بأسرارهم و هموم ليلهم و نهارهم ... لا يضايقني وجودكِ حتى إن استرقتِ بوحَهم لي فأنا أدري أنكِ أيضاً خير كاتمٍ لأسرار و مناجاة من سميناهم بالليليين.

قالت النجمة: أعذرني يا قمر فما تطفلي إلا غيرةً منك فأنا أغبطك لكثرة من يناجونك, فأنت يا بدرُ صاحب الوجه البهي و النور الذي يأسر ناظرِيه ...
قال القمر: يا نجمة السماء, ما نوري الذي ذكرتِ إلا هديةً من ضياءِ أختك الشمس و ما أنا إلا قزمٌ مقارنةً بكِ و بأخواتِكِ ...
قالت النجمة: حتى و إن فُقناك حجماً فالناظرون يرونك أكبر لأنك أقرب إليهم و من كان أقرب إلى العين كان أقرب إلى القلب ...
قال القمر: لا تتحاملي على أحد و لا تأخذكِ الغيرة و اعلمي أنني وحيد ... و أما أنت و أخواتك فتغطين السماء من الأفق إلى الأفق و اعلمي أن محبيكن كُثر ...
قالت النجمة: لا زلتُ أحس بالغيرة فمحبوك أكثر فحدثني عن بعضٍ منهم ...
قال القمر: يا عزيزتي لا تنسي أنني أرجعتُ الفضل إلى أختك الشمس فانزعي عنك هذه الغيرة ...
قالت النجمة: أعتذر إليك أيها القمر و أعاهدك أن أنزع عني سواد الغيرة ...

قال القمر: بوركت يا نُجيمتي ... سأجيبك على سؤالك , أجل إن محبيّ كُثر و لكن أحبهم إلي من ينظر إلى وجهي فيأسره نوري فيناجيني "سبحان من خلقك , سبحان من فطر السموات و الأرض , سبحان من جعل الشمس ضياءً و القمر نورا , سبحانه من قال "وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ"...
هناك أيضاً من ينظر إلى وجهي فيوصيني أن أُبلّغ سلامه إلى من يحب ... توصيني أمٌ أن أكون رفيق ولدها في غربته ... و يحمّلني آخر سلاماً إلى والديه و أخوته و أصحابه ... و توصيني امرأةٌ أن أكون رقيباً على زوجها في غيبته ... و لكن يخجلني أن يشبهني أحدهم بمن يُحب فيصوغ الأشعار في وصفي ...

قالت النجمة: إذن فأنت مرسال المحبين.
قال القمر: في أغلب الأحيان ... و لكن هناك من ينظر في وجهي فلا يرى إلا الجبال الجرداء و الحجارة الصماء ...
ضحكت النجمة و ابتسم القمر قائلا: أجل إن شر البلية ما يضحك ... و لكن ماذا عنكِ أنتِ؟
قالت النجمة: الحمد لله هناك الكثير ممن يتفكرون في خلق الله و قدرته عندما يروننا و هم يطالعون السماء ... و منهم من يتخذنا "عَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ"...
و أما المحبون فيتخذوننا وسيلة ليحصوا عدد الأيام التي انقضت منذ أن فارقوا أحبتهم أو ما تبقى حتى يلتقي آخرون ...

سألت النجمة: ما يحزنك يا قمر؟
قال القمر يحزنني أن يتخذني أشرار الليل مصباحًا ينير سهراتهم الماجنة التي تغضب الله عز و جل أو يستغل زوّارُ الليل المتسللون غيابي لينفذوا أعمالهم الدنيئة في سلب أموال الآمنين و تنغيص نومهم ...
قالت النجمة: أما أنا فأعتب على كثير من بني البشر لأنهم أطلقوا عليّ اسم "نجمة" مع أن الأصح أنا ينادوني بـ"النجم" ...
قال القمر: لما العتب يا نجمة ... أووه أعتذر أقصد نجم ... ربما أطلقوا عليك هذا الاسم ملاطفةً منهم لك.
قال النجم (النجمة سابقاً): دعنا من هؤلاء يا قمر و أخبرني عن من قلتَ أنهم يخجلوك بتشبيه محبوبيهم بك
قال القمر: أذكر أحدهم عندما وقف على الشرفة و أسمعني أبياتاً تقول:
صمتها أحلى الكلام
                    عينُها خيرُ الرسلْ
إن أطالت نظرةً
                    أو أطلت في عَجلْ
حُسنُها بين النساء
                    مثل بدرٍ مكتملْ
عن نُجيماتِ السماء
                    ذاتَ ليلٍ قد رحلْ
قد علمتُ البدرَ يعلو
                    كيف للأرضَ نزلْ
خلتها كالبدر حقاً
                    عندما الليل أطلْ
سأل النجم: أتعرف قائل الأبيات؟
قال القمر: أجل , إنه أبو يمنى.
قال النجم: أتقصد أبا يمنى مشرف المدونة.
قال القمر: هو بعينه ... و إن أردت أن تقرأ إحدى محاولاته الشعرية فاضغط هـــنـــا...
قال النجم: أنظر من هناك ... أظنه أبا يمنى ... أنه يناديك ... ماذا يقول؟
قال القمر: آه ... إنه يوصيني أن أبلغ سلامه إلى متابعيه و يقول لهم دمتم سالمين ...

هناك 13 تعليقًا

  1. ماهذا الجمال والروعه اخي ابو يمنى

    كتبت فأجدت وابدعت ماشاء الله بارك الله فيك

    حوار متميز الله يسلمك..

    كون بخير

    ردحذف
  2. جميل جدا يا أبو يمنى

    الله يعطيك العافية

    ويسعدني أن أكون من متابعي مدونتك

    ردحذف
  3. ما هذا الجمال ياأبويمني كنت أعلم أنك كاتبا بارعا ولكن غاب عني انك شاعر جهبذ أيضا وفقك الله وبارك الله جهودك .
    أبوحازم

    ردحذف
  4. سلام معطر لجميع متابعي مدونتي الكرام و شكرا على تعليقاتكم الكريمة

    ردحذف
  5. حوار رائع اعجبني في اسلوبك بساطة الكلمات و سلاسة الأسلوب
    الأبيات الشعرية جميلة

    ردحذف
  6. بسم الله الرحمن الرحيم



    وقفتُ أناجي رؤى النجمات *** أبثُّ شجوني لذي العتمات
    فديجــور ليليَّ مـدّ رداه *** وليس لليليَّ فجرٌ يؤاتـي


    ما أجمل وأروع وأطهر هذا الحوار الذي صاغه يراعك المتمكّن ، والذي دار بين القمر والنجم ، والله - ليس مبالغة - كأني به حوار يدور في مرأى منّي أحسُّ به حقيقة لا خيالا .

    ما شاء الله !!

    كلما قرأتُ موضوعاً من مواضيعك أستاذي "أبو يمنى" كلما ازددت فائدة وحصيلة متنوعة ، فبحق أنت مداد قلم طليق سيّال بالعطاء العميم ، ولا أزكي على الله أحداً بل الله يزكّي من يشاء .


    أخوك "محمد الشكيلي"

    ردحذف
  7. (خزامى) هذا ما أسعي اليه دائماً أهوى البساطة و لا أوغل في ألفاظ تحتاج إلى معجم لتُعلم معانيها

    ردحذف
  8. أتمنى دائماً أن ترقي مواضيع المدونة لمستوى تنال به اعجابكم ... شكراً لمحمد الشكيلي على تعليقك الكريم

    ردحذف
  9. ماشاء الله ع الكتابه الرائعه إن شاء الله نراك كاتب عظيم ف المستقبل

    ردحذف
  10. ( غير معرف )
    أشكرك على كلماتك الرائعة و أتمنى أن أكون دائماً عند حسن ظنكم

    شكراً على المرور الكريم

    ردحذف
  11. ما اجمله من حوار انه رائع يا ابو يمنى وجزاك الله خير

    ردحذف
  12. عزيزي الزائر الكريم ..
    شكراً لك على الزيارة الكريمة و التعليق الأجمل
    دمت بخير

    ردحذف

شاركنا بتعليقك Post a comment